|
الخوري يوسف عسّاف ما هو الغفران؟
غفران الإساءة هو عمل يقوم به الإنسان بنعمة إلهيّة، وهو يتطلّب نضجًا إنسانيًّا وروحيًّا، وهذا ما لا يحدث إلاّ في مسيرة. إن كان الغفران نعمة، فهو إذًا عطيّة مجّانيّة من الله لكنّه أيضًا مسؤوليّة موكولة إلينا، علينا أن نسهر على تنميتها فينا، أو بالحريّ على نموِّنا فيها. أمّا غفران الخطايا فهو من اختصاص الله وحده، وقد كان ليسوع في الأرض سلطان على مغفرة الخطايا، وقد برهن عنه في آية شفاء المخلَّع (مرقس 2/ 1-12). وقد أعطى الربّ القائم من الموت هذا السلطان لجماعة التلاميذ مقرونًا بعطيّة الروح القدس والرسالة (يوحنا 20/ 21-23)، وهذا ما عبّر عنه القدّيس بولس إذ قال إنّ الله عهد إلينا خدمة المصالحة، أي عهد إلينا أن نعلنها للعالم لأنّنا سفراء المسيح، وكأنّ الله هو مَن يعظ بألسنتنا (2 قورنتس 5/ 14-21). يسوع الغافر، يوحنا 13/ 21-30. أثناء العشاء الأخير، بعد أن غسل يسوع أرجل تلاميذه، ومن بينهم يهوذا الإسخريوطي الذي كان يريد أن يُسلمه (يوحنا 13/ 1-17)، قرّر يسوع أن يحضِّر تلاميذه لما سيجري فأخبرهم بأنّ واحدًا منهم سيُسلمه، من دون أن يحدِّد أمامهم مَن هو هذا الواحد. نظر التلاميذ بعضُهم إلى بعض حائرين لا يعرفون مَن يعني يسوع بقوله. لم يتّهموا أحدًا بل بدأوا، حسب ما يخبرنا به القدّيس متّى، أنّهم حزنوا جدًّا وأخذوا يسألونه، واحدًا واحدًا: "هل أنا هو، يا سيّد" (متى 26/ 22). تلك كانت نقاوة التلاميذ الذين لا يشيرون إلى أحد متّهمين بل يتساءلون حول أمانتهم هم. غمس يسوع اللقمة ورفعها وناول يهوذا بنَ سمعان الإسخريوطيّ (يوحنا 13/ 26). كي يدلّ يسوع إلى الخائن، اختار أن يعطيه فرصةً جديدة مبيِّنًا له عمق محبّته. إعطاء اللقمة على المائدة يدلّ على المكانة التي للآخر في قلبنا. تلك هي المكانة التي ليهوذا في قلب يسوع، بالرغم من معرفة يسوع بالخيانة. غير أنّ يهوذا، لمّا تناول اللقمة، دخل فيه الشيطان (13/ 27) وخرج في الحال، وكان ليلاً (13/ 30). ما علاقة الشيطان باللقمة؟ اللقمة هي علامة المحبّة، وأمام إصرار يهوذا على الخيانة بالرغم من تجلّي محبّة يسوع له بأكمل صورها، دخل فيه الشيطان لأنّه قسّى قلبه وأصرّ على رفض الحبّ، فكان ليل لأنّه أسلم ذاته لسُلطان الظلمة ولم يُرِد أن يسير في النور. هذا هو غفران يسوع: إنّه المثابرة على الحبّ من دون شروط ولا تحفُّظ، حبٌّ من دون ندامة. في عالم اليوم أخبرني إنسان عن صديقه في استراليا، قال: "كان صديقي يجمع الحطب خلف منزله، فداس عن طريق الخطأ أفعى سامّة فلسعته. كان أمام أحد خيارين: أن يتعقّب الأفعى للإنتقام منها أو الذهاب حالاً إلى المستشفى للتخلّص من السمّ الذي يسري في عروقه. "كان الصديق حكيمًا فاختار الخيار الثاني، لم يضيّع لحظةً واحدة بل قاد سيّارته إلى أقرب مستشفى فنجا." الإنتقام هو أن نترك أنفسنا نموت بسمّ الحقد، أمّا المغفرة فهي التخلُّص من السمّ كي لا يكون في عروقنا إلاّ الحُبّ. وأنا، كيف أغفر؟ "احتملوا بعضُكم بعضًا، وليُسامح بعضُكم بعضًا إذا كانت لأحدٍ شكوى من الآخر. فكما سامحكم الربّ، سامحوا أنتم أيضًا" (قولسي 3/ 13).
أبي الحبيب، أشكرك لأنّك أحببتَني وقبِلتني، وشفيتَ جراحي بجراح ابنك المصلوب. ساعدني كي أنظر إلى صليب ابنك الحبيب يسوع وأدرك كم تألّم من أجلي، وكيف أطلق كلمات الغفران تجاه جميع مَن أساؤوا إليه، بمن فيهم أنا، إذ قال: "أغفر لهم يا أبتِ لأنّهم لا يعلمون ماذا يفعلون". بقوّة محبّتك هذه، أنا أغفر لكلّ مَن أساء وخطئ إليّ، غفرانًا كاملاً، بقوّة روحك القدّوس الذي يسكن فيّ. شكرًا لأنّك استجبتَني وقوّيتني كي أسامحهم وأحبّهم باسم ربّي ومخلّصي يسوع المسيح، له المجد. آمين. الخوري يوسف عسّـاف من كهنة أبرشيّة بيروت المارونيّة ومن جمعيّــة كهنة برادو الشرق الخوري يوسف عسّاف ألله محبّة
ما هي المحبّة؟ لا يوجد تحديد كافٍ للمحبّة، لأنّ الله محبّة!.. لكن يمكننا أن نقول عن المحبّة أنّها فعل إحترام للآخر، وتمنّي الخير له، والعمل في سبيل تحقيق هذا الخير. يسعد المحِبّ لفرح الآخر إذا كان للخير، ويتألّم لشقائه، وهو لا يطلب ما لنفسه بل ما هو للبنيان. والمحبّة أنواع، فهناك محبّة الأهل لأولادهم والمحبّة البنويّة والمحبّة الأخويّة ومحبّة الأصدقاء لبعضهم البعض والمحبّة الزوجيّة... كلّ الفضائل والقيم تستطيع أن تكون تجسيدًا لهذه المحبّة وثمرةً لها. ليست المحبّة سهلة دائمًا، لأنّ هناك صعوبات أحيانًا في عيشها. فأن أُحبّ يعني أن أعطي من وقتي وانتباهي ومن ذاتي للآخر. كما أنّ الآخر لا يتقبَّل دائمًا محبّتي، إمّا لأنّ لديه مفهومًا مختلفًا عن المحبّة –كأن يطلب مثلاً أن أفعل له كلّ ما يروق له ولو لم أقتنع به-، وإمّا لأنّه يحمل جراحًا لا تدعه يثق بالآخرين. المحبّة من الله، والمُحِبّ مولودٌ لله وعارفٌ به. تجلّت محبّة الله بإرساله ابنه الوحيد حياةً للعالم. محبّته مجّانيّة، مبادِرة مصافحة. هو بادرنا بالحُبّ قبل أن نعرف كيف نُحِبّ، وثبتَ في الحُبّ بالرغم من رفضنا له. يسوع، محبّة الله صارت جسدًا - لوقا 22/ 14-20 لـمّا أتت ساعة ارتفاع يسوع عن هذا العالم إلى الآب، جلس للطعام، هو وتلاميذه. وكانوا في هذا الوقت يحتفلون بعيد الفصح عند اليهود، أي ذكرى تحرير الله لشعبه، عن يد النبيّ موسى، من أرض مصر ليعبروا البحر الأحمر إلى الحريّة، في الصحراء باتّجاه أرض الميعاد. في هذه الذكرى، أراد الله أن يحرّر جميع الناس من عبوديّة الخطيئة، على يد ابنه الأوحد، من خلال كلّ ما عاشه يسوع منذ تجسّده وحتّى ارتفاعه من بيننا. إنّما أراد الله أن يفعل ذلك بسبب حبّه للعالم. يسوع، في ليلة آلامه، أراد أن يودِّع تلاميذه. في الوداع يفتح الإنسان قلبه ويتكلّم عن أعمق مشاعره. ماذا سيُخبرنا يسوع؟ "اِشتهَيتُ شهوةً شديدة أن آكُلَ معكم هذا الفِصحَ، قبل أن أتألّم"... إنّه الفصح الأخير ليسوع قبل آلامه، فيما بعد سيأخذ الفصح معنًى آخر: إنّه الإحتفال بعبور يسوع إلى الآب! فصح موسى ليس إلاّ رمزًا لفصح المسيح. لكن، قبل هذا الحدث الخطير، هناك أمر لا يستطيع يسوع أن يسكت عنه: أنا أشتهي، ومنذ فترة، شهوةً شديدة، وهي أن آكل معكم هذا الفصح! ما أعظم الحبّ الذي يكنّه يسوع للتلاميذ. إنّه حبّ أقوى من الموت. صحيح أنّ يسوع سيقوم، سينتصر على الموت ويبدأ بتحقيق ملكوت الله. لكن ذلك لا يمنع كونه يشتاق بكلّ جَوارحه إلى الجلوس للوليمة مع تلاميذه ليُقيموا الإحتفال معًا. بعد العشاء سيأخذهم معه إلى جبل الزيتون ويطلب منهم أن يسهروا معه لأنّه يحتاج إلى رِفقتهم. كما كلّ الأصدقاء، سيطلب يسوع من التلاميذ أن يتذكَّروه كلّما جلسوا للطعام وتقاسموا الخبز ودقّوا الكأس: اِصنعوا هذا لذكري، اِشربوا نخبي! هو لن يغيب إن كنّا لا نزال نذكره، هو لن يموت إن كنّا لن ننساه. لكنّ ما يفاجئنا هو أنّه فيما يطلب منّا أن نذكره يعدنا بأن يولم لنا الفصح الحقيقيّ في الملكوت، وأنّه لن يكون حيًّا فقط في ذاكرتنا بل سيكون لنا ينبوع حياةٍ لأنّه فيما يغلب الموت لن ينسى أحبّاءه بل يكون معهم حاضرًا إلى الأبد. في عالم اليوم جان بول وطارق، أخوان يحبّان الحياة. يحافظان على الألعاب التي تأتيهما من الأهل ويلعبان بها. في تمّوز 2006 كانت الحرب على لبنان، كثيرٌ من الناس تركت بيوتها وذهبت إلى المدارس للسكن فيها. نظر الأخوان إلى النازحين الملتجئين إلى المدرسة التي في جوارهما وأحضرا صندوق ألعابهما وانتقيا منها ما كان لا يزال صالحًا وقالا لوالديهما: "نحن عندنا الكثير منها، لا نحتاجها كلّها". ونزلا برفقة أبيهما وقدّما الألعاب إلى الأولاد. لم يكتفيا بذلك بل صارا ينزلان كلّ يوم ويلعبا بالطابة مع الأولاد فتكوّنت بينهم صداقة قويّة. وأنا؟ مَن هم الأشخاص الذين أثق بمحبّتهم لي؟ وكيف يعبِّرون عن هذه المحبّة؟ وأنا، مَن أحِبّ؟ وكيف أُعبّر عن محبّتي؟ بأيّ مواقف وأيّ أفعال وأيّ أقوال؟ الخوري يوسف عسّـاف من كهنة أبرشيّة بيروت المارونيّة ومن جمعيّــة كهنة برادو الشرق الأب هاني شلالا المُرسل اللبناني إنّ شخصيّة يسوع المسيح تبقى صخرة شك وحجر عِثار للعقل البشري. فسرُّ التجسّد الإلهي وسرّ الفداء الخلاصي، يبقيان التحدّي الأكبر لعقل الإنسان. فمنذ البداية وحتى النهاية كان يسوع يعمل ويُعلّم بسلطان إلهي، وقد برهن عن صحة كلامه ورسالته بالآيات والمُعجزات.
نراه مثلاً يشفي العميان ليقول:"أنا نور العالم، من يتبعني لا يمشي في الظلام". نراه يطرد الشياطين ويحرّر الممسوسين الخرس والصمّ، ويُعيد إليهم السمع والنُطق، ليقول: "أنا هو الكائن، أنا الألف والياء، أنا الكلمة والنور، أنا سيّد الكون وملِكه، وإبليس ليس إلّا خليقة بائسة وعاصية، مُضلِّلة وقاتلة". نراه يُسكّن العواصف ويمشي على المياه ليقول:"أنا سيّد العناصر والكون ولا شيء يعصى أوامري". نراه يُكثّر الخبز والسمك ليقول:"أنا الخبز الحيّ النازل من السماء. من يأكل من هذا الخبز يحيا الى الأبد، وهذا الخبز هو جسدي الذي يُبذل لأجل خلاص العالم". ونراه يُعطي هذا الخبز في العشاء السرّي وعلى الصليب:"خذوا كُلوا هذا هو جسدي ... خذوا اشربوا هذا هو دمي". نراه يغفر الخطايا ليُثبت أنّه هو الله. ويأمر المخلّع بأن يحمل سريره ويذهب الى بيته لكي يُثبت للناس أنّه سيّد الحياة وصانعها. ونراه يشفي البُرص ليقول أنّه هو شافي البشريّة من أمراضها وعزلتها وموتها وخطيئتها. نراه يشفي اليهود وغير اليهود ولا يقف عند أيّ حدود، لأنّ محبّته تشمل كلّ الشعوب والأمم. لقد حطّم كلّ الحواجز لأنّ المحبّة بلا حدود. نراه يُقيم الموتى لكي يبرهن أنّه هو سيّد الحياة والموت وبأنّ كلّ شيء بيده وهو ضابط الكلّ بيمينه. نراه يتنبأ عن كل شيء: عن مصيره ومصير تلاميذه، عن موته وقيامته، عن خراب اورشليم وهيكلها، وعن إرسال الروح القدس ومجيئه الثاني بالمجد... . نراه يُعطي السلطان لتلاميذه لكي يشفوا المرضى ويطردوا الشياطين ويُقيموا الموتى باسمه. ونراه يُجري أعظم آية بعد آلامه وموته على الصّليب، الا وهي قيامته من بين الأموات. فقيامته هي ختم الصدق على كلّ ما قال وعلّم. ولولا القيامة لكان اختفى كلّ شيء وانتهى، كما أعلن بولس الرسول:" لو لم يقم المسيح لكان ايمانكم باطل وتبشيرنا باطل". ولولا ظهور المسيح القائم من الموت لتلاميذه لمدة أربعين يومًا لتثبيتهم على الإيمان، ولإرسالهم الى العالم حاملين البشارة السّارة الى أقاصي الارض، لما بقي ذكر للمسيح ولما بقيت ديانة مسيحيّة على وجه الأرض. ولولا حلول الروح القدس على التلاميذ لكانوا ما زالوا مدفونين في قبور خوفهم. فهؤلاء البسطاء والجهّال والفقراء قد ردّوا العالم، وهذه هي أعجوبة من أعظم الآيات. إنّ كلّ الامبراطوريّات والممالك قد بُنيت على القوّة والعنف والسيف والحرب، ومصيرها الزوال؛ إلّا مملكة المسيح الّتي بُنيت على الإيمان والمحبّة، فمصيرها الخلود لأنّ المحبّة هي جوهر الله، وجوهر الله خالد لا يزول. وهذا هو مجد المسيحيّة: أنّها بُنيت على دماء شهدائها، وليس على دماء أعداءها. وهذا الدمّ كان وسيبقى بذار مؤمنيها الصادقين الأبرار على مدى الأيام. ولن يكون سيفٌ للمسيحيّة الا سيف المحبّة والإيمان حتى مُنتهى الدهور. أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، نحن جميعًا، كما قال الرّسول بولس، نحمل كنز الحياة في آنِيَةٍ مِن خَزَف (راجع 2 قورنتس 4، 7)، ويدعونا اليوم العالميّ لذوي الاحتياجات الخاصّة إلى أن نفهم أنّ هشاشتنا لا تحجب بأيّ شكل من الأشكال "نورَ بِشارةِ مَجْدِ المسيح"، بل تكشف لنا أنّ "تِلكَ القُدرَة الفائِقَة (هي) لِلهِ لا مِن عِندِنا" (2 قورنتس 4، 4. 7). في الواقع، يُعطى كلّ واحد، بدون استحقاق وبدون تميِيز، الإنجيل بأكمله، ومعه المهمّة السّارة لإعلانه. "إنّا جميعًا مدعوّون إلى أن نقدّم للآخرين شهادة لحبّ الله الخلاصيّ، الذي يتجاوز نواقصنا، وهو يقترب منا، ويُعطينا كلمته وقوّته ومعنى حياتنا" (الإرشاد الرسولي، فرح الإنجيل -Evangelii gaudium ، 121). نَقلُ الإنجيل، في الواقع، ليس مهمّة تقتصر على قلّة قليلة من الناس، بل هو ضرورة أساسيّة لأيّ واحد اختبر اللقاء والصّداقة مع يسوع [1]. الثّقة بالرّبّ يسوع، وخبرة حنانه، وتعزيّة رفقته، ليست امتيازات محفوظة لقليل من الناس، ولا امتيازات لمن تلقوا تنشئة دقيقة وطويلة. بل العكس، يقدّم الله رحمته حتّى يعرفها ويلتقي بها بطريقة خاصّة جدًّا الذين لا يثقون بأنفسهم ويشعرون بالحاجة إلى تسليم أنفسهم إلى الرّبّ يسوع، وللمشاركة مع إخوتهم. إنّها حكمة تنمو شيئًا فشيئًا كلّما زاد وعينا لحدودنا، وتسمح لنا بأن نقدّر بشكل أكبر اختيار الله القدّير للحبّ الذي به ينحني على ضعفنا. إنّه وعي يحرّرنا من حزن التشكي – ولو كثرت مبرراته - ويسمح للقلب بالانفتاح على المديح والشّكر. الفرح الذي يملأ وجه الذين يلتقون بيسوع ويوكلون إليه حياتهم ليس وهمًا أو ثمرة سذاجة، بل هو تدفق قوّة قيامته في حياة تتسم بالهشاشة. إنّها سُلطة تعليميّة، حقيقيّة وخاصّة، سُلطة الضّعف، لو استمع الناس لها، لجعلت مجتمعاتنا أكثر إنسانيّة وأخوّة، ولسارت بكلّ واحدٍ منّا إلى أن يفهم أنّ السّعادة هي خبز لا يمكن أن يأكله أيّ إنسان وحده. كم يساعدنا وعيُنا أنّنا بحاجة بعضنا إلى بعض، لتكون علاقاتنا أقلّ عدائيّة مع من هم حولنا! وكذلك الحقيقة أنّ الشّعوب أيضًا لا تخلُص وحدها، تساعدنا إلى البحث عن حلول للصّراعات العبثيّة التي نعيشها! اليوم، نريد أن نتذكّر آلام كلّ النّساء والرّجال ذوي الاحتياجات الخاصّة الذين يعيشون في حالة حرب، أو الذين أصبح لديهم احتياجات خاصّة بسبب المعارك. كم من الأشخاص - في أوكرانيا وفي ميادين الحرب الأخرى - ما زالوا مسجونين في الأماكن التي فيها معارك ولا يمكنهم حتّى الهرب! يجب أن نوليهم اهتمامًا خاصًّا، وأن نسهّل وصولهم إلى المساعدات الإنسانيّة بكلّ طريقة ممكنة. سُلطة الضّعف التي تعلِّم هي موهبة، بها يمكنكم أنتم - أيّها الإخوة والأخوات ذوو الاحتياجات الخاصّة – أن تُغنوا الكنيسة: حضوركم "يمكن أن يساهم في تغيير الواقع الذي نعيشه، ويجعله أكثر إنسانيّة وترحّيبًا. من دون ضعف، ومن دون حدود، ومن دون عقبات يجب تجاوزها، لن تكون هناك إنسانيّة حقيقيّة" [2] . ولهذا أنا سعيد أنّ المسيرة السينوديّة أظهرت أنّها مُناسبة مؤاتية للاستماع أخيرًا إلى صوتكم أيضًا، وأنّ صدى هذه المشاركة وصل إلى وثيقة السّينودس التّحضيريّة على مستوى القارات. جاء فيها: "تشير التّقارير الكثيرة إلى عدم وجود البُنى والوسائل المناسبة لمرافقة الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصّة، وتطلب إيجاد طرق جديدة للتّرحيب بمساهمتهم وتعزيز مشاركتهم. على الرّغم من نفس تعاليمها، الكنيسة توشك أن تصير مثل المجتمع الذي يضع هؤلاء الأشخاص جانبًا. وتعدِّد الوثيقة أشكال التّمييز: عدم الإصغاء، عدم احترام الحقّ في اختيار المكان الذي يعيشون فيه أو الشّخص الذي يريدون الإقامة معه، الحرمان من الأسرار، الاتهام بالسّحر والاعتداءات، وغيرها. كلّ هذا يصف سياسة التّهميش تجاه الأشخاصذوي الاحتياجات الخاصّة، وهي ليست وليدة الصّدفة بل تعود إلى المبدأ الأساسيّ نفسه: الاعتقاد بأنّ حياة هؤلاء الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصّة ليست لها القيمة نفسها مثل الآخرين" [3] .
في الواقع، كان اللّقاء والأخوّة هما اللذان كسرا جدران عدم الفهم وتغلّبا على التّمييز. لهذا، أتمنّى أن تنفتح كلّ جماعة مسيحيّة على وجود الإخوة والأخوات ذوي الاحتياجات الخاصّة، مع التّأكيد دائمًا لهم على التّرحيب بهم والاندماج الكامل. عندما تكون الحالة تعنينا نحن، وليس هم، وهذا يتبيّن عندما تصيبنا الإعاقة، بشكل مؤقت أو بسبب بلوغنا مرحلة الشّيخوخة الطّبيعيّة، إذاك يكون المعوَّق نحن أنفسنا أو أحد أحبائنا. في هذه الحالة، نبدأ بالنظر إلى الواقع بعيون جديدة، وندرك الحاجة إلى كسر الحواجز التي بدت في السّابق غير مهمّة. كل هذا، مع ذلك، لا يلغي اليقين بأنّ أيّة حالة من حالات الاحتياجات الخاصّة - مؤقتة أو مكتسبة أو دائمة - لا تغيّر بأيّ شكل من الأشكال طبيعتنا أنّنا أبناء لأب واحد، ولا تغيّر من كرامتنا. الله يحبّنا جميعًا بنفس الحبّ الحنون، والأبوي غير المشروط. أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، أشكركم على المبادرات التي تُحيون بها هذا اليوم العالميّ لذوي الاحتياجات الخاصّة. أرافقكم بصلاتي. وأبارككم جميعًا من قلبي، وأطلب منكم من فضلكم أن تصلّوا من أجلي. روما، بازيليكا القدّيس يوحنا في اللاتران، يوم 3 كانون الأوّل/ديسمبر 2022 __________________________________________________________ [1] راجع رسالة في مناسبة اليوم العالمي لذوي الاحتياجات الخاصّة، 20 تشرين الثّاني/نوفمبر 2021. [2] الكنيسة بيتنا. ملخّص الاستشارة السينوديّة الخاصّة لذوي الاحتياجات الخاصّة، برعاية دائرة العلمانيّين والعائلة والحياة، رقم 2: راجع موقع دائرة العلمانيّين والعائلة والحياة. [3] وثيقة العمل للمرحلة على مستوى القارات في موضوع السينوديّة، 36.
في الواقع، يوحنّا المعمدان أكثر من كونه رجلًا متشدِّدًا، إنّه يرفض الازدواجيّة. مثلًا، عندما كان يقترب منه الفرّيسيّون والصّدّوقيّون، المعروفون بنفاقهم، كانت ”ردّة فعلِهِ“ أشدَّ! في الواقع، بعضهم، ربّما كانوا يذهبون إليه بدافع الفُضول أو فقط للظهور ولمجاراة أناس، لأنّه صار ليوحنا شعبيّة كبيرة. شَعَرَ هؤلاء الفرّيسيّون والصّدّوقيّون بأنّهم على ما يرام، وأمام دعوة يوحنّا المعمدان المُلِحَة إلى المعموديّة، كانوا يبرّرون أنفسهم قائلين: "إنَّ أَبانا هُوَ إِبْراهيم" (الآية 9). هكذا، بين الازدواجيّة والغرور، رفضوا قبول النّعمة، والفرصة ليبدأوا حياةً جديدة. كانوا منغلقين في غرورهم أنّهم أبرار. لذلك قال لهم يوحنّا: "فأَثمِروا إِذًا ثَمَرًا يَدُلُّ على تَوبَتِكم" (الآية 8). إنّها صرخة محبّة، مثل صرخة الأب الذي يرى ابنه يعرِّض نفسه للهلاك، فيقول له: ”لا تُضيّع حياتك!“. في الواقع، أيّها الإخوة والأخوات الأعزاء، الرّياء هو الخطر الأشدّ، لأنّه يستطيع أن يُفسد أقدس الحقائق. الرّياء خطر شديد! لهذا كان يوحنّا المعمدان – ويسوع أيضًا بعد ذلك – قاسيًا مع المُرائين. يمكننا أن نقرأ على سبيل المثال الفصل 23 من إنجيل متّى، عندما تكلّم يسوع إلى المرائين في ذلك الوقت، بصوت عالٍ جدًا! ولماذا فعل ذلك يوحنا المعمدان ويسوع أيضًا؟ لكي يهِزَّهم. الذين كانوا يشعرون بأنفسهم أنّهم خطأة "كَانُوا يَخرُجُونَ إِلَيهِ، فيَعتَمِدونَ عَن يَدِه ويَعتَرِفُونَ بِخَطاياهم" (الآيات 5-6). هذا هو الواقع: كي نستقبل الله لا تهمّ المهارة، بل التّواضع. هذه هي الطريقة لاستقبال الله، وليست المهارة. قد يقول البعض: ”نحن أقوياء، نحن شعب عظيم...“، لا، يجب التّواضع. وقد يقول آخرٌ: ”أنا خاطئ“؛ ولكن لا تقل ذلك بصورة نظرية، لا ، بل خطئت في ”هذا، وهذا، وهذا“. يجب على كلّ واحد منّا أن يعترف بخطاياه، وقبل كلّ شيء أن يعترف لنفسه، بخطاياه، ونقائصه، وعلينا أن ننزل من عرشنا ونَغطس في ماء التّوبة.
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، يوحنّا، ”بحساسيّته الشّديدة تجاه الازدواجيّة“، يجعلنا نفكّر. ألسنا نحن أيضًا مثل هؤلاء الفرّيسيّين أحيانًا؟ ربّما ننظر إلى الآخرين من أعلى إلى أسفل، ونفكّر أنّنا أفضل منهم، وأنّ حياتنا في يدنا، وأنّنا لسنا بحاجة كلّ يوم إلى الله والكنيسة وإخوتنا. ننسى أنّه يجوز أن ننظر إلى الآخر من أعلى إلى أسفل، في حالة واحدة فقط: عندما يكون من الضّروري أن نساعده على النهوض. هذه الحالة الوحيدة التي يجوز فيها النظر من فوق، أمّا في كلّ الحالات الأخرى، فلا يجوز. زمن المجيء هو زمن نعمة لكي ننزع عنّا أقنعتنا - كلّ منّا لديه هذه الأقنعة - ونصطفّ مع المتواضعين، ونتحرّر من غرورنا واعتقادنا بأنّنا مكتفون ذاتيًّا، فنذهب ونعترف بخطايانا، الخفية، ونقبل مغفرة الله، ونطلب المعذرة ممّن أسأنا إليهم. هكذا تبدأ الحياة الجديدة. والطّريق واحد فقط، وهو التّواضع: لنتطهّر من الشّعور بالتّفوق والشّكليّات والرّياء، لكي نرى في الآخرين إخوة وأخوات لنا، وخطأة مثلنا، ولكي نرى في يسوع مخلّصًا الذي جاء من أجلنا أيضًا، وليس من أجل الآخرين فقط، بل من أجلنا، تمامًا كما نحن، مع فقرنا وبؤسنا ونقائصنا، ولا سيّما مع حاجتنا لكي يقيمنا من جديد، ويغفر لنا ويخلّصنا. ولنتذكّر أمرًا آخر أيضًا: مع يسوع هناك دائمًا إمكانيّة لنبدأ من جديد. لا يفوت الأوان أبدًا، فهناك دائمًا إمكانيّة لنبدأ من جديد. تشجعوا، فهو قريب منّا وهذا وقت التّوبة. كلّ واحد منكم يمكن أن يفكّر: ”أنا في هذه الحالة في داخليّ، وهذه المشكلة تجعلني أشعر بالخجل...“. لكن يسوع قريب منك. ابدأ من جديد، هناك دائمًا إمكانيّة لتخطُوَ خطوة أخرى. إنّه ينتظرنا ولا يتعب منّا أبدًا. لا يتعب أبدًا! نحن مزعِجون، لكن هو لا يتعب أبدًا. لنُصغِ إلى نداء يوحنا المعمدان لكي نعود إلى الله ولا ندع زمن المجيء هذا يمرُّ مثل أيّام السّنة العاديّة، لأنّه زمن نعمة، زمن نعمة لنا أيضًا، الآن، وهنا! لتساعدنا مريم، خادمة الرّبّ يسوع المتواضعة، لنلتقي بِهِ وبالإخوة على طريق التّواضع، الذي هو الطّريق الوحيد الذي يجعلنا نتقدّم دائمًا. |
أكاديميّة الإنجيلتعمل أكاديميّة الإنجيل على تعميق المعرفة وتعزيز الوعي لمواضيع مرتبطة بعيش الإنجيل بهدف التجدّد الرّوحيّ وتغيير السلوك المسيحيّ من خلال التّطبيق الفعّال والعمليّ، لهذه المعرفة المُكتسَبة، في الحياة اليوميّة. للمزيد إنضم الى قناتنا على يوتيوب اليوم. إضغط هناأرشيف
February 2026
Categories
All
|